الخطاب المفقود .. والورطة

على خلفية النزاع بين الريف الأرجنتيني والحكومة (3)

14-5-2008

بينما يستمر لليوم السابع على التوالي إضراب المنتجين الزراعيين ووسط إشاعات مبالغ فيها عن مصادرة إيداعات الزبائن في المصارف وانهيار النظام المصرفي ونزوح رؤوس الأموال الدولية المالكة لسندات الديون الأرجنتينية وما ترتب عنه من ارتفاع سعر الدو لار، وتهافت المودعين على الدولار وسحب ودائعهم، وعن تجميد للأسعار اعتبارا من 25 مايو القادم، وما ترتب عنه من ارتفاع نسبة تضخم أسعار بعض السلع والأدوية، احتفى الرئيس الأرجنتيني (السابق) في أحد المجمعات الرياضية بمحافظة بوينوس آيريس بمناسبة تنصيبه زعيما لحزب العدالة (البيروني) حيث كان من المتوقع أن يلقي خطابا يحمل فيه وبشدة على القطاع الزراعي الحيواني المتمرد في الأرياف منذ ما يقارب من 60 يوما حتى الان.
غير أنه فجأة قدم زوجته (الرئيسة) لإلقاء الكلمة بالمناسبة نيابة عنه مفضلا الإنصات، وفي ذلك ما يشير إلى أن امتناعه عن الكلام إنما يأتي انصياعا لنصائح محيطه السياسي للتخفيف من حدة النزاع مع
الريف الذي أصبح يهدد اقتصاد البلد واشترطت زعاماته أن يكف كرتشنر عن التدخل في شؤون حكومة زوجته التي انخفضت شعبيتها مؤخرا بسبب ما بات يتردد في كل الآنحاء من تشكيك في قدرتها وكفاءتها في تسيير دفة الحكم لوحدها في الأرجنتين. كما أن في ذلك مؤشرا كذلك على تفضيل الحكومة التقرب من الزعامات الريفية للتوصل لحل بخصوص الأزمة التي أربكت الحكومة وتجاوزت أهدافها حيز القضية الضريبية إلى مسألة الإطاحة بالحكم بالنسبة للريف أو تغيير النموذج الاقتصادي الانتاجي وزعماؤه بالنسبة للحكومة، لتركيز الثروة الزراعية الحيوانية في أيديها وفي أيدي بعض الشركات الاحتكارية الكبرى، بناء على ايديولوجية يسارية تهدف إلى القضاء على خصم عتيد قديم (إقرا الموضوع السابق). حدة النزاع اقتربت من خطوط حمراء أحجمت الحكومة عن تجاوزها وبات الكلام يدور حول امكانية تفجر حرب أهلية بين مختلف القطاعات المتنازعة بازدياد وثيرة التطرف والتوثر الاجتماعي بشكل ينذر بالخطر. بل أن عدول "كرتنشر" عن إلقاء كلمته والعجالة التي ألقت بها زوجته (الرئيسة) كلمتها التلطيفية التوفيقية مع الريف اليوم، كان مرده إلى نشوب مواجهات وصدامات عنيفة خارج الملعب الذي ألقي فيه الخطاب بين أقطاب عمالية متنافرة ومتناثرة بين مؤيدين للريف معارضين للحكومة من جهة وبين مؤيدين لها من جهة أخرى أسفر عن عدة إصابات وأضرار، وتصدت فيها قوات البوليس في محاولة لاحتواء الموقف، بينما سارع مئات الحضور إلى الفرار من الملعب تفاديا لأي مخاطر مما جعل الوزراء وحكام الولايات الذي كانوا في المنصة وكذلك الرئيسة وزوجها ينفضوا في اسرع من لمح البصر.
ولكن أعمال العنف تلك ليست هي وحدها المؤشر على حدة التوثر الاجتماعي واحتمالات تفجر الأزمة إلى ما هو أبعد من مجرد أعمال شغب. فقد أعلن أحد زعماء الـ
"بيكيتيروس" وهو لويس دي ليا" (الذي يقولون أنه ينفذ أوامر حكومية ويأتمر بأوامرها) أنه سوف يقود جيشه العمالي باتجاه مواقع تمركز المزارعين المضربين في أنحاء البلد "لاجبارهم" على التفاوض مع الحكومة والعزوف عن الاضراب الذي في نظره يهدف لقلب النظام الحاكم بالدرجة الأولى. من جانبهم، المزارعون لازالوا مصرين على مواقفهم ويلوحون بأنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي إذا مورست ضدهم ضغوطات وتهديدات. الأمر لا يستهان به إذا أخذنا في الاعتبار أن حركة الـ "بيكيتيروس" العمالية الموالية للحكومة تتشكل من عدة مجموعات من بينها اليوم "حركة إيفيتا" التي يقودها "ايميليو بيرسيكو"، و حركة اتحاد الأرض والمسكن التي يتزعمها "دي ليا" المذكور، والجبهة العرضية التي يتزعمها "ادغاردو دي بيتري" و حركة "أحرار الجنوب" بزعامة "أومبرتو توميني" وحركة "الأحياء المنتفضة" بقيادة خورخي سيباليوس".
البيرونية اعتبارا من اليوم أصبحت منقسمة إلى بيرونية كرتشنرية وبيرونية تقليدية (القواعد البيرونية الأساسية بزعامة الرئيس السابق دوهالدي وغيره) لا تعترف به زعيما للحزب بل تتهمه بسرقة الزعامة والتحايل واللجوء للتزوير وشراء المركز وإثارة الفتنة في صفوف حكام الولايات البيرونيين وتدمير اقتصادياتهم من خلال سياسة التعنت وسياسة المواجهة تجاه المنتجين في الأرياف.
وجاء في كلمة الرئيسة التوفيقية السريعة، وبعد أن اثنت على مرحلة حكم زوجها خلال الخمس سنوات الأخيرة، أنها "تدعو جيمع قطاعات المجتمع وشرائحه المختلفة بغض النظر عن أيديولوجيته أو راياته السياسية وبدون تمييز إلى الجلوس لمناقشة الصالح العام في إطار ديمقراطي من أجل تعميق النمو والرقي بالأرجنتين وتحسين النظام السياسي. وأضافت في محاولة توفيقية أخرى أنها تدعو من خلال المجلس الوطني للحزب البيروني جميع الرفاق إلى القبول بالتحدي وتبني فكرة الوفاق الاجتماعي التعددي، للعمل من أجل بناء بلد أفضل "لأن المواجهة والتفرق والقطيعة لا تفيد بل إنها تشتت أفراد الشعب وتقود للضعف والفشل".
خطاب اليوم يحمل بوادر الصلح مع الريف مالم يكن مجرد وسيلة لكسب الوقت ومجرد وضع شئ من البنج في محاولة للوصول بسلام لاحتفالات يوم 25 مايو القادم التي تبحث فيه الحكومة عن تحقيق هدفها في إطلاق مشروع وفاق اجتماعي سياسي شامل ومدمج لجميع القطاعات لإضفاء شرعية جديدة هي في أمس الحاجة إليها، خاصة بعد أن حاولت في ساعة مبكرة من نهار اليوم كسب تأييد القطاع الصناعي والمصرفي وتأليبهم على المنتجين الزراعيين دون جدوى، فضلا عن إخفاقها في كسب إجماع كل حكام الولايات لنفس الغرض وهو ما قد يكون سببا في عزوفها عن سياسة المواجهة وإقناع زوجها بالعدول اليوم عن تأجيج النزاع. الكرة الآن في ملعب زعماء الأرياف، وإصرارهم على المواجهة من عدمه سيبرهن على نوايا هذه الأزمة الحقيقية وما إذا كانت مفتعلة أم طبيعية وعفوية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق