هذه المعركة من تلك الحرب..
على خلفية النزاع بين الريف والحكومة الأرجنتينية (7)
18 يونيو 2008
مقدمة تمهيدية:
خطاب الرئيسة اليوم لا يسهم في تهدئة الأجواء. خطاب زوج الرئيسة يوم الأمس كذلك. وجدا ضالتيهما في هذا القطاع الانتاجي الريفي كي ينسبوا إليه كل مساوئ وإخفاقات الحكومة الحالية. كلاهما يحمل الريف المسؤولية ويتهمه بالتسبب في كل الأضرار الاقتصادية والسياسية (منذ سنة 1810..!!)، بما في ذلك التضخم والمجاعة والبؤس والفقر فضلا عن خلخلة الأوضاع وتهديد الديمقراطية والأمن والحياة الاجتماعية!!. (هذا الريف الذي لم يغذ الأرجنتين فحسب بل غذى العالم في أعقاب الحروب العالمية وفي أحلك أيام البشرية). يتهمانه بالمسؤولية عن قصف ساحة مايو سنة 1955 بالقنابل التي استهدفت قصر حكومة الزعيم "بيرون" زوج الزعيمة البيرونية التي تحرص على تقليدها "صوتيا" الرئيسة الحالية لأنها عجزت عن تقليدها في المسائل المصيرية!!. يتهمانه بقيادة الانقلابات في السبعينيات وباختفاء 30 ألف مواطن بيروني في تلك الحقبة العسكرية، وحتى بحرب جزر الـ "ملفيناس" وبتأجيج وتحريض مظاهرات الطناجر الشعبية التي هي في الواقع غاضبة وعفوية، وكأن الذين خرجوا بطناجرهم ليسوا بأغلبية أو يحملون الجنسية الأرجنتينية!!. تم عن أي ديمقراطية تتحدث وهي التي تعد اليوم لتنصيب ابنها لتولي الحكم مستقبلا بصفة رسمية!!؟. يتهمان الريف بالعنصرية وبالتفريق بين أسود هندي وأبيض وبالتعالي والعجرفة وبالاقطاعية وبالرجعية وحتى بالخيانة الوطنية!!. وتوقف كلاهما عند ذلك لأن القاموس اللغوي الحاقد ليس به مزيد وكلماته تنفد وليست أبدية. ولو كان الريف رجلا سقط لقتلاه بسكاكين بإسم البيرونية والحركية.. مسكين بيرون النائم في مكان لا يعلمه إلا رب الانسانية. لم يتبق لهم إلا أن يتهموا الريف بمسؤوليته عن خروج الشمس من الجهة الشرقية وبمقتل قابيل بضربة حجر صخرية!! المشكلة أنهما لم يفصحا عن ذلك الحقد الدفين خلال الأربعة سنوات والنصف الأخيرة، لأنهما كانا منهمكين في تحصيل مداخيل هائلة من العملة الأجنبية تدفقت على الدولة بفضل انتاج وعرق جبين بنات وبنين هذه الشرائح الريفية (20 مليار دولار للحكومة من دخل الريف خلال الأربعة سنوات الأخيرة)، وبالتحديد وبالدرجة الأولى من مبيعات فول الصويا الذي تهاجمه الحكومة اليوم وتحمله المسؤولية!!. ولكن فيما يبدو أن المخطط كان معدا على هذا الأساس: التكديس أولا ثم توجيه الضربة الانتقامية. هذه الضربة الانتقامية التي تأتي حسب قول "الرئيس" "كرتشنر" بعد أن تم القضاء على أخر عسكري متهم في تلك القضية!!. لقد أرادا دفن العسكر فحلت محله "السلطة الشعبية" على حد قول الصحفي "غروندونا" يوم الأحد الماضي في صحيفة "لاناسيون" الوطنية. واليوم، وإزاء انتصار الطناجر الشعبية التي كادت في ليلة ضلماء أن تطيح بالحكومة الكرتشنرية تخلت الرئيسة أولا عن قرارها تخصيص كل ما يزيد عن 35% من الضريبة المشهورة لصالح الأوضاع الصحية والسكنية من خلال صندوق اجتماعي يشرف عليه وزير لها لا يتمتع أصلا بشعبية، وأعلنت في خطابها يوم الأمس أنها أخيرا سترمي بالضريبة في أحضان السلطات البرلمانية التشريعية لوقف الغضب الشعبي العارم وكسب الوقت وأخذ نفس هوائية، بينما يدفع البرلمان التكلفة السياسية لخطأ تسببت فيه هي، ولماذا لم تترك للبرلمان الفرصة منذ 90 يوما حين بدأت هذه المشكلة الضريبية، بل أنها فرضت على النواب والشيوخ صمتا كصمت زكريا، فلا ينطقان إلا بإذن منها هي، واليوم عندما تورطت أعطته أوامر بالعمل وكأنها معلمة "تعطي التلاميذ واجبا بيتيا"!!. وأخيرا قالت أمام الملأ أنها تتحداهم أن ينشئوا أحزابا يمينية على أسس ريفية... تراهات وديماغوجية.
"دكتا توقراطية" وطناجر شعبية:
يوم السبت الماضي، وبينما كان المزارعون يتظاهرون في الطرقات الرئيسية بزعامة "دي أنجلي"، ألقى رجال الدرك القبض على هذا الأخير وحمل بالقوة إلى سيارة البوليس رفقة 18 من رفاقه المزارعين وأودع السجن بأمر مباشر من وزير العدل. بذلك الاجراء زادوا من شعبية الزعيم الريفي المذكور وضاعفوا بالتالي من قدرته على التعبئية وتأليب الريف والناس عموما في جميع الولايات. وفعلا سرعان ما انتشر الخبر وخرج المواطنون مستنكرين ومحتجين ومنددين بالحكومة، وامتدت موجة الغضب إلى بقية أنحاء وشوارع البلد حتى ساعات متأخرة من الليل وطوقت الطناجر مقر إقامة الرئيسة في "أوليفوس" مطالبين الرئيسة في العديد من اللافتات المكتوبة بالكف عن ممارسة القمع والاستبداد والعجرفة السلطوية. في تلك الساعات المتأخرة من الليل عاد الشعب الأرجنتيني إلى قرع الطناجر في انحاء مدن الأرجنتين بما فيهم العاصمة استنكارا واحتجاجا على إستبداد وبلطجة حكومة "آل كرتشنر" الرافضة للتفاوض مع المزارعين في الأرياف. الأجواء مشحونة والريف معطل والمزاج العام متوثر والمجتمع في مواجهة فيما بين مختلف قطاعاته والأوضاع تكاد تنفجر. رغم ذلك الرئيسة "مختبئة" لا تنطق بشئ ومصرة على معاداة الريف ومحاربته بلا هوادة بدلا من الجلوس والتفاوض معه، بينما زوجها "كرتشنر" يعلن عن مسيرة تأييد لحكومة زوجته في ساحة مايو (اليوم، الاربعاء)، بزعامة "دي ليا" (زعيم حركة الأرض والمسكن) المنتمي لما يعرف بحركة "بيكيتيروس" والشخصية المنبوذة اجتماعيا والوحيدة التي تنطق "بإسمه" وبإسم زوجته "كريستينا" في هذه اللحظات الحرجة. هذه الشخصية المنبوذة أثارت غضب مختلف شرائح الشعب الأرجنتيني اليوم ودفعت به إلى الشوارع من جديد عندما صرح "دي ليا" علنا بأن "الريف وبعض وسائل الإعلام والرئيس السابق –دوهالدي- يدبرون ويخططون لإنقلاب على هذه الحكومة "الشعبية"، وأنه سبرفع السلاح في وجه كل من تسول له نفسه الانقلاب عليها. إثر القاء القبض على "دي أنجيلي" تحركت جميع العائلات في الأرياف والمدن القريبة ببناتهم وأولادهم ونسائهم ووقفوا في الخطوط الأمامية ومن خلفهم المزارعين للتصدي لرجال الدرك الذين أخذوا في ضرب الأرض بأرجلهم والتقدم نحو المتظاهرين في مشهد يذكر بالجيوش البريتوريانية الرومانية الغازية. ولكن وجود الأطفال والنساء في المقدمة سرعان ما أتى بمفعوله وصدرت الأوامر بالتوقف عن الزحف وإطلاق سراح "دي أنجيلي" الذي ما أن عاد إلى الطرقات خطب في الحشود امامه معلنا النقاط التالية: · "لن تتوقف المظاهرات الاحتجاجية على الطرقات".. · الرئيسة "كريستينا" تستخدم أساليب دكتاتورية، حيث أن هذه الضريبة طبقتها الحكومات العسكرية التي تنتقدها وتبغضها الحكومة الحالية.. · السلطة الامتيازية التي يتمتع بها رئيس الوزراء الحالي يجب أن تلغى نهائيا.. · على ولاة المحافظات أن ينتبهوا ويقفوا إلى جانب المواطنين الذين أوصلوهم بأصواتهم إلى مناصبهم التي هم يتقلدونها اليوم... · على البرلمان والنواب والشيوخ أن يشرعوا وأن لا يدعوا الرئيسة وزوجها يتصرفان في القوانين على هواهما وكما يحلو لهما، فهذه حكومة يفترض أنها ديمقراطية وليس دكتاتورية. · الشعب سيحاسبهم قريبا.. · ضد الحكومة وسعيها لإرضاء كبار الشركات المنتجة للمحاصيل والمصدرة لها Pools · في شتى مظاهرات التأييد يستحيل على الحكومة أن تحشد الجماهير بالعدد الهائل الذي يحشده الريف في شتى أنحاء البلد. · إن العديد من حكام الولايات مساكين ومغلوبين على أمرهم، حيث أنه ليس بمقدورهم مخالفة حكومة "كرتشنر" دون التعرض للقعوبات المالية خاصة إذا أرادوا الحصول على ميزانية لتسيير نفقاتهم المحلية، فهم مرغمون على الركوع و إذلال أنفسهم لآل "كرتشنر"، الحكومة المركزية. على هؤلاء الحكام أن يفيقوا ولا يفرطوا في مبدأ "الفدرالية"، والوقوف ضد مخطط الحكومة لفرض المركزية..
في ليلة الأحد الماضي هرعت زبانية الحكومة بمن فيهم الرئيس (السابق) "كرتشنر" وبعض وزراء الحكومة المخلصين إلى مقر ساحة مايو الرئيسية وسبقهم إليها بعض عمال الـ"بيكيتيروس" و"الفتوة" (بتشديد الواو وفتحها) الموالين للحكومة لإرهاب أفراد الشعب الغاضب الذين بدلا من تلك الساحة الرئيسية توجهوا إلى مقر إقامة رئيسة الحكومة وإلى غيرها من الساحات والشوارع في جميع أنحاء البلد بشكل شامل. نفور المتظاهرين المؤيدين للريف من ساحة مايو سببه الرغبة في تفادي الاصطدام بزعيم إحدى حركات "بيكيتيروس" الموالية للحكومة الكرتشنرية الذي هدد كما أشرنا فيما سبق باستخدام السلاح للدفاع عن حكومة كريستينا، متهما زعماء اتحادات الأرياف الأربعة والرئيس السابق "دوهالي" وصحيفة "كلارين" بالتخطيط لإنقلاب مدني، لإحساسهم بأن هذه الحكومة تفقد شرعيتها بمرور الأيام وباحتدام الأزمة. الساحة إذن بقيت خالية من مظاهرات الطناجر واستغلتها الحكومة لإرسال الكوارد الموالية لها. يريدون "تركيع الريف" على حد قول "دي ليا" و "كرتشنر"، ولكن لمن تريد هذه الحكومة أن تسلم أرض أجداد المزارعين؟؟، ولصالح من تفعل كل ما تفعله ضد الريف؟، ومن المستفيد ومن هي اليد السودا "الخفية" التي تفعل كل هذه الأفاعيل وتخطط لهكذا تدمير وتصر على سحق الزراعة والمزارعين؟! (الريف بهيكلته الزراعية التقليدية الوطنية العريقة من الصعب قهره من قبل متآمرين إلا إذا فقدوا هيمنتهم الاقتصاية وهو ما لا يتأتى إلا من خلال نزاع استنزافي طويل الأمد يحتاج إلى تمويل وصبر كبيرين). مفتاح نجاة الحكومة يكمن في ولاء حكام الولايات المؤيدة، ولكن بات من الصعب الآن ضمان ولاءهم لها، فهم يخافون انتقام الشعب إذا استمروا في معاداتهم للريف (ولو انهم في ذات الوقت يخافون انتقام كرتشنر وحرمانهم من أرباح الاقتصاد). من بين الحكام المتمردين الذين تتوعدهم الحكومة بالعقوبات الاقتصادية اعتبارا من تصريحات "دي ليا" نذكر حاكم ولاية قرطبة، وحاكم ولاية "تشوبوت"، و حاكم ولاية "مندوزا" وحاكم "انتري ريوس" السابق، إضافة إلى عدد كبير من عمداء البلديات في الولايات المختلفة الذين وقفوا إلى جانب احتجاجات الريف وضد "ساحة التأييد" الكرتشنرية (التي جرت ليوم الاربعاء 18 يونيو) لأنها استعراض للقوة لا يسهم في تهديئة الأجواء بل يؤججها ويزيد من حدة النزاع والانقسام على حد قول القرطبي "سكياريتي". في خطاب الأمس الثلاثاء أعلنت الرئيسة أنها ستحيل مشروع القانون بخصوص الضريبة إلى البرلمان الوطني. المشروع المذكور لا ينص على مناقشة أو تعديل القرار الضريبي الحكومي بل فقط يحث البرلمانيين على التصويت عليه بنعم أم لا. وهنا يكمن الفخ. ولا ننسى أن ثلثي مجلس الشيوخ و130 أو 131 من النواب هم من الموالين والخاضعين للحكومة الكرتشنرية. في اعتقادي أن النزاع سيعود، لا اقول في يومين أو ثلاثة ولكنه سيعود لأن الحكومة مصرة على المواجهة .. ولأنه كما قلت سابقا في "ضريبة حق يراد بها باطل" القضية ليست قضية ضريبة أو أرباح أو سنت زائد أو سنت ناقص وإنما قضية لها جذور تاريخية مصيرية وقديمة لم تحسم بعد في نظر هذه الحكومة المركزية التي لا تريد الاعتراف بأنها خسرت هذه الجولة وتنتظرفيما يبدو الفرصة السانحة لتنفيذ مخططها أو مشروعها "اللاوطني". هذا السلوك ينم عن جهل بتركيبة المجتمع الأرجنتيني المختلفة تماما عن تركيبة المجتمعات اللاتينية الأخرى المغلوب على أمرها في هذه القارة الجنوبية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق