قبطانان في سفينة..
على خلفية استقالة رئيس الوزراء الأرجنتيني في إطار أزمة الريف (9)
27/07/2008
الأوضاع في الأرجنتين تمر في هذه الساعات بمرحلة هدوء. لكنه هدوء غريب ومريب ينبئ ربما بعاصفة جديدة على وشك الوقوع. نتيجة التصويت الأخيرة في مجلس الشيوخ خلفت العديد من الخسائر والجروح في الجسد الكرتشنري من الصعب أن تلتئم. الرئيس السابق-الحالي "كرتشنر" لا يرى إلا بمنظار الانتقام ولن يهدأ له بال حتى يثأر من خصومه وأعدائه. الحكومة الكرتشنرية أساءت التقدير عندما فتحت عدة جبهات في آن واحد فأخفقت في المقاومة ولم تفلح في تأليب الشعب على الريف - كما حاولت في السابق ولا زالت تجاه الكنيسة والعسكر والإعلام- بل أن الشعب ثار عليها وكاد أن يسقطها. عجرفة هذه الحكومة وسوء إدراتها للأزمة تسببت في تفتيت المجتمع وشطرته شطرين. ثم استمرت في عنادها وكبريائها إلى أن أحدثت تصدعا آخر في جسدها كحكومة إثر تمرد "كوبوس" نائب الرئيسة (أنظر الموضوع السابق)، فأصبحنا أمام مشهد يتمثل في شعبين متناقضين في بلد واحد وحكومتين متناقضتين في حكومة واحدة. الأولى تحكم لفئة من الشعب يكره الريف ويحتقره وينظر للماضي ويحرض على القطيعة، وحكومة أخرى تلتف حولها الفئة المناهضة لحكومة آل كرتشنر والتي تنظر للمستقبل وتبحث عن الاستمرارية. البعض كان يعتقد أن الرئيسة سوف تحدث تغييرات جذرية في مجلسها الوزاري تنوه من خلالها بالوجهة السياسية والاقتصادية الجديدة البعيدة عن سياسة الصدام والفتنة للتقرب من الشعب ورأب الصدع، خاصة بعد أن كادت هذه الأزمة وبالتحديد إثر تصويت مجلس الشيوخ أن تطيح بها. الرئيسة "كريستينا في المقابل اكتفت بتنحي رئيس الوزراء الذي كان ينتظر بابتعاده عن الحكومة جر بقية الوزراء والسكرتيريين الإشكاليين وراءه، وخاصة وزير التخطيط الذي ينافسه في الحكومة وسكرتير التجارة الداخلية الذي يتوقع الجميع تهميشه قريبا. ولكن لم يحدث ذلك بعد حتى اللحظة، وإن حدث فذلك سيكون بمتابة انقلاب ذاتي على الرئيسة و"خيانة" عظمى من قبل رئيس الوزراء المذكور مخطط له عمدا على غرار ما حدث مع نائب الرئيسة كما رأينا، ولكن لازال هؤلاء الوزراء يتمتعون بثقة الحكومة وهو ما ينبئي باستمرار الحكومة على نفس النهج السابق. في إطار "نظرية المؤامرة" من داخل الحكومة تجدر الإشارة إلى أن الرئيسة "كريستينا" كانت فعلا على وشك الخروج للإعلان عن تنحيها عن الحكم إثر التصويت البرلماني في مجلس الشيوخ، وصيغ لها من قبل سكرتير الدولة للشؤون القانونية قرار الاستقالة بعد أن نصحها زوجها "نستور كرتشنر" بذلك بحجة أن هذا الشعب لا يستحق التضحية من أجله ولا يستحق التغيير ولا الثورة التي كان يريد تفجيرها من أجله. ولكن تدخل وزراؤها المقربون وربما حتى "لولا دا سيلفا" البرازيلي بإيعاز من رئيس الوزراء المستقيل لتوه "ألبرتو فرنانديس" وغيره حال دون تخليها عن مقاليد الحكم. ثم ان "مشروع آل كرتشنر" فيما يبدو يستحق تحمل الهزيمة والسكوت ولو على مضض إلى حين. لقد نصحوها هي وزوجها بتمالك نفسيهما وبالصبر و"بالتضحية" بجزء من الوزراء من باب البرهنة على الرغبة في التغيير بعد الفشل الذريع في "تركيع" الريف وتمرير نموذجها ومشروعها الوطني المائوي الثاني السياسي الاقتصادي كما تزعم!!. الفشل المذكور يشمل "كرتشنر" نفسه الذي استثمر كل ما لديه من أجل الفوز في البرلمان ضد الريف، ولكن فيما يبدو أنه اعتبار من الآن سيقول "لامساس"، بعد أن تسبب في تصدع الحزب البيروني من الداخل أكثر مما كان وفي تصدع حكومة زوجته بعد أن انقلب نائب الرئيسة عليها هو الآخر كما أشرنا آنفا. بعض أعضاء النواب من حزبه بدأوا يفكرون في الخروج عن طاعته وحتى في تشكيل كتل برلمانية مستقلة جديدة. خسر مؤخرا بعض من الموالين له من نفس حزبه الجديد (حزب جبهة النصر) وبدأ البعض الأخر في التفكير في التنصل منه شيئا فشيئا. السيدة "مارتا بيلاردي" عضوة نواب موالية لكرتشنر من ولاية "سانتياغو دل استيرو" صوتت ضد الضريبة الكرتشنرية وهي تحاول البحث عن حلفاء لتشكيل كتلة منفصلة عن الكرتشنريين تحت اسم "بيرونية جمهورية". ستلحق بها شخصيات أخرى مثل "تيريسيتا كنتيلا" من لولاية "لاريوخا". من جهة أخرى، عدد 12 من النواب البيرونيين انحازوا إلى الصف المعارض الذي يتزعمه حاكم ولاية بوينوس آيريس السابق "فيليبي سولا" ويهددون اليوم بخلق كتلة برلمانية منفصلة قلبا وقالبا عن الكرتشنرية. عدد قريب من ذلك في مجلس الشيوخ ممن انقلبوا على "كرتشنر" يخططون لعمل مشابه، يتزعمهم في مجلس الشيوخ روحيا حاكم ولاية سالتا السابق "روميرو" أو حاكم ولاية "سانتا في" السابق "ريوتيمان" على سبيل المثال لا الحصر. كما أن بعض عمداء البلديات يرفضون الاستمرار إلى جانب حكومة تلجأ يوميا إلى المظاهرات ومسيرات التأييد العقيمة، ويطالبون في نفس الوقت بإنشاء وزارة للزراعة بدلا من السكرتيرية الواهية الحالية. إذا استمر الوضع على هذا المنوال فإن ذلك سيجعل الحكومة تخرج للبحث عن إجماع في كل مرة تريد فيها التصويت مستقبلا على أي قانون أو مشروع حكومي جديد. إذا وصل الأمر إلى هذا الحد فحينها سيكون الحديث عن استقالة الحكومة نهائيا وبلا رجعة. الرئيس السابق–الحالي "كرتشنر" ليس كاريزماتي كرئيس للحزب البيروني ولا يريده أحد إلا بمقدار ما يدفعه من أموال سخية لشراء دمم ولاة الحكومات والبلديات والنقابات كما يشاع هنا سواء في الأوساط الاعلامية أو السياسية. حاول خلال فترة حكمه ان يجهز على البيرونية ويميعها بعد أن ترأسها عنوة وقسرا دون انتخابات داخلية، والآن في ظل الآزمة يستخدم اسم الزعيم "بيرون" وزوجته المخلصة الأولى "ايفيتا" لكسب ود البيرونيين. في الواقع تركيز الرئيسة الحالية وزوجها على "أيفيتا" واهتمامهما بها يفوق اهتمامهما بالزعيم "بيرون"، وهذا واضح وجلي من خلال الاحتفاءات السنوية بذكرى تلك السيدة المحترمة كما حدث يوم الأمس 25 يوليو. في ذكرى الأمس اعترفت الرئيسة "كريستينا" في خطابها أنها خسرت هذه الجولة مع الريف، ولكن قالت بما معناه "أنها خسرت معركة ولن تخسر الحرب، وأن الشعب هو من يكتب التاريخ". على العموم، لن تنفعها ابتسامتها هذه لإفقاد خصومها لذة النصر، لأنهم مطمئنين إلى أن غالبية الشعب يقفون في صفهم كما تمت البرهنة خلال آخر تظاهرة جماهيرية عارمة شهدتها مدينة بوينوس آيريس في نفس اليوم الذي صوت فيه مجلس الشيوخ ضد المشروع الرئاسي الذي يعكس سياسة تحرم الأرجنتين من عوائد صادراتها الزراعية في زمن تحرق فيه الدول العظمى السلع الغذائية والمحاصيل من اجل انتاح الوقود الحيوي. سياسة الحكومة الأرجنتينية وإصراراها على إعاقة الانتاج وعرقلة مساهمة الأرجنتين تسهم في زيادة أسعار المواد الغذائية وبالتالي تجويع العالم بدلا من إغاثته كما تعودنا جميعا أن تفعل الأرجنتين زمن الأزمات القاتلة...
بداية السيل قطرة..
كان البعض يعتقد أنه بنهاية التصويت الأخير في البرلمان ستعم السكينة والهدوء أرجاء البلد ويعود التعقل والتروي ليسود فيما بين الخصوم. اعتقد البعض أيضا أن الحكومة، متمثلة في شخص الرئيسة "كريستينا"، سوف تتراجع عن سلوكها المتحدي المعادي لمختلف القطاعات الأخرى وأنها ستتخلص من كل العناصر الوزارية التي كانت سببا في التوثرات والاضطرابات والأزمة، من أمثال وزير "الظل" سكرتير التجارة الداخلية "مورينو" الذي يصول ويجول ويزور ويحرف المؤشرات الرسمية لصالح الحكومة، ووزير التخطيط "دي فيدو" المنبوذ من قبل غالبية أفراد الشعب بسبب تورطه في العديد من عمليات الاختلاس سواء فيما يخص المشاريع الخاصة المحلية أو النفقات العامة التي دفع بها إليه آل كرتشنر جملة واحدة ليتصرف فيها كيفما يشاء، ناهيك عن فضائح مالية أخرى بعضها ذو طابع دولي كما هو حال "الحقيبة الفنزويلية"، ومن أمثال "دي ليا" زعيم أحد فصائل الـ "بيكيتيروس" الذي تسلطه الحكومة بهمجية على كل من تسول له نفسه التظاهر ضدها. هذه الوضعية أدت إلى استياء كبير في الرأي العام وبدأت فكرة التحسن تأخذ في الأفول خاصة بعد أن مورست مختلف الضغوطات على عدد من معاوني ومستشاري "كوبوس" نائب الرئيسة، لاجبارهم على تقديم استقالتهم بحجة أنهم "خونة ومندسين" عضوا على الأيادي التي أحسنت إليهم ووثقت فيهم. في هذا الصدد أود التذكير بأن ما اعتقدنا في المقالة السابقة أنه مجرد حادثة عارضة تعرض لها نائب الرئيسة "خوليو كوبوس" عندما اختفى من كرسيه ليلة اتخاذ القرار في البرلمان، اكتسب طابعا جديا عندما طالبت شخصيات راديكالية الأسبوع الماضي بالتحقيق في تهمة محاولة الحيلولة دون تصويت "كوبوس" لصالح الريف.
كل تلك المساوي الحكومية والاستياء الشعبي العام واخفاقات الحكومة المتوالية والتهم المنسوبة إليها فيما يخص تفشي الفساد والتضخم والكذب وممارسة البلطجة من قبل بعض الوزراء والمسؤولين والفتنة الاجتماعية والخسارة البرلمانية الأخيرة مارست كلها ضغوطات على الرئاسة لاجبارها على إحداث تغييرات وزارية كما أشرنا آنفا. ولكن في وقع الأمر، الاكتفاء بإقصاء سكرتير الشؤون الزراعية وذهاب رئيس الوزراء "ألبرتو فرنانديس" المائل للتفاوض والحوار وبقاء المتشددين من أمثال "مورينو" و "دي فيدو" لا يخدم قضية هذه الحكومة ولا يعتبر مؤشرا جيدا لدى غالبية الشعب التي تنتظر تغيير جذري في وجهة هذه الحكومة يبرهن على استقلالية الرئيسة عن زوجها في عملية اتخاذ القرار وتسيير دفة الحكم.رئيس الوزراء الجديد الذي وقع عليه اختيار "أل كرتشنر" هو "سرخيو ماسا"، يبلغ 36 سنة من العمر، عضو مجلس نواب على مستوى المحافظة سنة 1990، مدير الإدارة الوطنية للضمان الاجتماعي المسماة "انسيس ANSES " بدعم من الرئيس السابق "دوهالدي" سنة 2002. في عام 2007 فاز في انتخابات محلية لشغل منصب عميد بلدية "تيغري" المطلة على النهر بعد أن حاول شغل منصب حاكم ولاية بوينوس آيريس التي فضل آل كرتشنر تسليمها لحاكمها الحالي "دانييل سيولي" الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس كرتشنر منذ سنة 2003. اختيار هذا الشاب دليل على أن الرئيسة مغرمة بصغار السن دائما، ولكن جدوى التغيير لن تتضح حتى يثبت هذا الوزير الجديد عن مدى استقلاليته وتخلصه من هيمنة وزير التخطيط وسكرتير التجارة الداخلية ومن تطبيق وصفات جاهزة يطبخها "آل كرتشنر" مسبقا دون الرجوع إلى أحد.
الوجه الآخر..
يتفق الجميع اليوم على أن نهاية الهيمنة الكرتشنرية باتت وشيكة ولكن لا يتفق منهم احد بعد على الخيارات والبديل المستقبلي لهذه الحكومة. هناك بوادر ومبادرات من قبل عدة تجمعات وشخصيات سياسية لإنشاء جبهة معارضة كفيلة بإصلاح الهيكل السياسي المتدهور وإنعاش المؤسسات الديمقراطية من جديد في الأرجنتين. الجديد هذه المرة أن تلك المؤسسات سوف تحظى بمراقبة عتيدة من قبل الشعب الذي استعاد إرادته وحريته في التعبير والمشاركة في اتخاذ القرار وتحريض البرلمان الوطني وتصحيح النهج السياسي والاقتصادي كلما خرجت الحكومة عن الطور أو مالت إلى التسلط والعجرفة. وما منع "كرتشر" من تحطيم نائب الرئيسة في تلك الليلة البرلمانية سوى الخوف من خروج الطناجر الشعبية وهجومها على حكومته المترنحة. وما يمنعهم إلا قليل للخروج من جديد مالم تغير الرئيسة من أسلوب الحكم الذي تشرك فيه زوجها العزيز.
الريف بالدرجة الأولى كما أشرنا في مواضيع سابقة يشكل قوة ومصدر طاقة لأي مشروع بديل ومعارض من خلال العديد من الخيارات التي تتراوح بين زعامات الحزب الراديكالي الذي استعاد هيبته بفضل شجاعة نائب الرئيسة الحالي "كوبوس" خلال التصويت الأخير في البرلمان ويستعد اليوم للم أطرافه المبعثرة، وبين زعامات الشق اليميني الوطني البيروني التقليدي المناهض لآل كرتشنر، وهو الشق الذي يتزعمه اليوم الرئيس السابق "دوهالدي" إلى جانب الأخوين "رودريغيس" حكام ولاية "سان لويس" و "داس نيبيس" الحاكم الحالي لولاية "تشوبوت"، و"دي لا سوتا" حاكم ولاية قرطبة السابق على رأس القائمة الذين ينوون اليوم تشكيل ما يسمى "الإتحاد الشعبي" ويبنون جسور تواصل مع نائب الرئيسة الحالي "كوبوس" من أجل إعادة بناء الهيكل الحزبي للدولة والقضاء على مخطط كرتشنر "السبعيناتي" المدمر في نظرهم للمؤسسات السياسية الديمقراطية. هناك كذلك خيارات أخرى تتمثل في تشكيل "حزب الريف" تحت راية الزعيم الريفي الشعبي "دي أنجلي" ، ولو أنه من الأفضل له أن يستمر على نهج الزعامة الاجتماعية وليس السياسية، على الأقل ليس قبل أن تنتهي قضية الريف بشكل نهائي كي لا يقضى عليها في مهدها. إذا أفلح في ذلك فإنه لا محالة فائز، ولو وضعوا دي انجلي في كفة وكل وزراء كريستينا في كفة أخرى لرجحت كفة دي أنجيلي..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق