أتت الرياح بما لا تشتهي كريستينا..
(على خلفية هزيمة الحكومة في الانتخابات البرلمانية التشريعية في الأرجنتين)
يونيو 2008م
(على خلفية هزيمة الحكومة في الانتخابات البرلمانية التشريعية في الأرجنتين)
يونيو 2008م
حكومة آل كرتشنر تخسر الانتخابات التشريعية (التي جرت الأحد، 28 يونيو 2008) ويفلت من أيديها 20 مقعدا برلمانيا بين نائب وشيخ. زوج الرئيسة (رئيس الأمر الواقع) يخسر محافظة بوينوس آيريس التي سيطر عليها اليمين بفوز "دي ناربايز" عليه. أل كرتشنر خسرا الانتخابات حتى في عقر دارهما، أي في ولاية "سانتا كروس". في 7/7/2008: بعد 9 أيام من الهزيمة، تغييرات وزارية: تنحي رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد ووزير العدل.. تخبط وإصرار على الخطأ..).
في 3 ديسمبر الماضي منيت حكومة "آل كرتشنر" بخسارة جديدة برلمانيا، عندما لم تتمكن من السيطرة على غالبية اللجان الدائمة في غرفة النواب. في هذه المرة تفوق ائتلاف جميع أشكال المعارضة للحيلولة دون سيطرة هذه العائلة الغريبة والمريبة على لجان البرلمان وبالتالي على عملية اتخاذ القرارات. هذه المرة تصدى لهم نواب برلمانيون عبر تحالف من أجل المصلحة الوطنية وضد الثنائي الحاكم المستبد. التآلف جاء من طرف نواب الحزب الراديكالي، البيرونية الفدرالية، الائتلاف الأهلي، مشروع الجنوب، الجبهة الأهلية القرطبية، الحزب الليبرالي بولاية "كورريينتس"، الحزب الديمقراطي التقدمي، أحرار الجنوب، "جميعنا سالتا"، التضامن والمساواة SI، الحزب الليبرالي بأرض النار"، الحوار من أجل بوينوس آيريس و "القيم من أجل بلدي". كل كتل يسار الوسط تضامنت مع المعارضة ضد الرئيس السابق "كرتشنر" بحيث لم يبق له من الأمر شئ، لا علي يمينه ولا علي يساره. فقد قوته وأفقد حكومة زوجته قوتها السابقة. الكثير من عناصر حركات عمال "بيكيتيروس" اليساريين تخلوا عنه و عنها، خاصة التقدميين وعناصر "الوفاق التعددي". حتى أقرب المقربين من اليساريين (المونتونيروس الثوار في هذه الحالة) تخلوا عنه، أولهم "بوناسو" الذي أسس داخل مجلس النواب -الذي هو أحد أعضائه- تيار جديدا منشق عن كرتشنر متآلفا مع التقدميين "بيلما إيباررا"، "فكتوريا دوندا"، و "باولا مارتشان". كذلك ابتعد عنه صديق آخر وهو "اومبرتو توميني"، وحاكم ولاية بوينوس آيريس السابق "فيليبي سولا" الذي شكل كتلة نيابية أخرى منفصلة مشكلة من ثمانية نواب بنهاية السنة الماضية، ناهيك عن خسارة "كرتشنر" لبعض حكام الولايات الحليفة سابقا مثل ولاية كاتاماركا في مارس الماضي وغيرها، ثم أخيرا وليس آخرا طبعا السيدة "أوكانيا" التي استقالت من منصبها كوزيرة للصحة لما رأت حسب قولها من انحراف للعائلة الكرتشنرية عن الخط التقدمي الحقيقي. كانت تلك بدايات فقدان عائلة كرتشنر المستبدة للأغلبية البرلمانية تدريجيا. هذا الإنهيار التدريجي يمهد الطريق أمام عدد من الخصوم لتولي رئاسة الدولة في الانتخابات القادمة سنة 2011، إذا قدر لهذه الحكومة الاستمرار. التخوف من عدم استمراريتها في الحكم جعلها تروج لشائعة كبيرة مفادها أن الرئيسة "كريستينا" وزوجها البار قررا التعجيل بالانتخابات الرئاسية القادمة في مارس بدلا من اكتوبر 2011، قبل أن يفقدا ما تبقى لهما من دعم عمالي وحزبي وقبل نفاذ الاحتياطي المالي الذي يساعدهما كالمعتاد في شراء دمم الأخرين.
من بين الخصوم الذين يتنازعون الرئاسة القادمة نذكر: "خوليو كوبوس" (نائب الرئيسة الحالي المنشق الذي عاهد الشعب أنه لن يترك منصبه مهما حاولت عائلة كرتشنر، قائلا انهم "لن يخرجوه من قصر الحكومة إلا ميتا، وأن عليهم مواجهته كمرشح للرئاسة في 2011")، و "ماوريسيو ماكري" البيروني اليمين الذي يحكم مدينة بوينوس آيريس حاليا، ولاشتراكي "هرمز بينر" (حاكم ولاية "سانتا في") و المذكور أعلاه البيروني "فيليب سولا"، و اليميني الذي تغلب عل "كرتشنر على مستوى محافظة بوينوس آيريس في انتخابات 28 يونيو التشريعية الماضية، "فرانسيسكو دي ناربايز" (مليونير من أصول كولومبية، بيروني انشق عن حركة "كرتشنر" وتحالف مع اليمين سعيا للفوز بحكومة ولاية بوينوس آيريس)، و "رويتمان" حاكم ولاية "سانتا في" السابق، ولما لا "دوهالدي" نفسه (الرئيس السابق الذي سلم الحكم لكرتشنر) والذي لا يخفي رغبته في العودة لقيادة المعارضة لحماية الأرجنتين من خطر المشروع "اللاوطني" كما أشرنا في المقالة السابقة بعنوان "حاميها وليس حراميها"، إحساسا منه ربما بأنه بذلك "يكفر عن سيئاته" ويصلح الخطأ الذي جعله يختار "كرتشنر" لخلافته سنة 2003 (أنظر المواضيع السابقة).
لم يتبق لهذه الحكومة إلا الاعتراض من خلال ممارسة حق النقض على القرارات مستقبلا. ولكن هذا التصرف قد يعرضها لسخط شعبي كبير وطناجر شعبية على غرار تلك التي شهدتها الأرجنتين في 2001.
شرعية الحكومة الأرجنتينية الحالية تحت المحك. الفراغ السياسي يرعبها، ونتيجة الانتخابات التشريعية الأخيرة (28 يونيو2009) تبدد أحلامها في الاستمرار في الحكم ومداولته فيما بينها وزوجها وربما إبنهما "ماكسيمو" على المدى الأبعد. في الواقع هيمنهتم على الحكم بدأت في العد التنازلي منذ أن رفض مجلس الشيوخ الموافقة على القرار 125 ضد الريف وترجيح نائب الرئيس الحالي (كوبوس) لكفة التصويت ضد الحكومة (انظر المقالة السابقة بعنوان "حصان طروادة").
بالنسبة للحكومة لا مفر اليوم من التحرك بسرعة والتفكير في مخرج من هذه الوضعية التي تهدد استمراريتها وبالتالي إنجاز مشروعها "اللا-وطني" الذي جاءت هي وزوجها من أجله، أو الذي جيئ بهما من أجله. "المشروع الفوقي" يفرض عليهما نتائج ايجابية والوقت لا يرحم. آخر معركة لها تخوضها اليوم ضد الإعلام، أكثر الهيئات حساسية في أي نظام ديمقراطي، وإسراعها بإصدار قانون الحد من الحرية الإعلامية قبل أن يستلم البرلمان الفائز في الانتخابات الأخيرة مهامه (في 10 ديسمبر 2009) ما هو إلا دليل على الهلع واليأس الذي تعاني منه حاليا، وهجوم زوجها الأخير على مبنى صحيفة "كلارين" يذكرنا بحملات "هوغو تشافيز" على مقار الإذاعات المسموعة والمرئية الخاصة والمستقلة. الحكومة الأرجنتينية أخذت تبتعد عن الديمقراطية وتقترب من التسلطية والدكتاتورية. نراها في الواقع حكومة تطوع القانون لصالحها وهي تتبع خطوات حكومات "يسارية" أخرى في القارة الجنوبية تملي عليها توجهات هي أقرب للشيوعة الستالينية منها للإشتراكية التي تزعم أنها تتطلع إليها بجدية. الديماغوجية هي منهجها والشعبوية، في طريقها لتدمير الحريات الشخصية والصحفية، آخر معاقل الأصوات الحرة والوطنية بعد الحرب التي قادتها ضد الجيش والكنيسة والريف (أنظر المواضيع السابقة). هذه الحكومة تصورت أن الشعب نائم وغافل عن هذه المسرحية. في الأثناء كان مغمضا عينا واحدة وبالثانية يحسب لها الهفوات والزلات التي نسردها تباعا على النحو التالي:
1- "زيارة الدول الأجنبية للحصول على دعم مالي والترويج لمشروعها القاضي بالسماح لأي أموال مهما كان مصدرها بدخول الأرجنتين دون مساءلة أو عراقيل، بما فيها أموال المافيات الصينية والروسية، بكل ما يعني ذلك من دخول أموال قذرة وأموال "للغسل والنشير"، وهو بدروه سيعني مشاكل مع المؤسسات المجتمع االدولي المناهضة لهكذا إجراء، وقد أبرمت مع روسيا اتفاقا رئاسيا في أخر جولة لها بنهاية العام الماضي (2008).
2- أججت الخلاف الحدودي مع الأوروغواي (بسبب مصنع الورق، الذي عارضته بشدة، ولم تفتر المعارضة إلا حينما احتاج زوج الرئيسة لصوت الأوروغواي لصالح ترشحه لرئاسة تحالف أمم الجنوب، أو "اوناسور)، بينما تحسد البرازيل التي بدأت تنهض بقوة صناعية (انظر موضوع "عقدة الأرجنتين ...البرازيل). فبالإضافة إلى الصين والهند اليوم يجب أن نضيف روسيا والبرازيل في نظام القوى الجديد.
3- التمييز في المحاكمات بخصوص حقوق انسانية لصالح "الحركيين السابقين" ضد عناصر الحكومات العسكرية السابقة، أنطلاقا من أحقاد السبعينيات المذكورة في مواضيع سابقة.
4- تعميق الخلاف مع الولايات المتحدة الأمريكية والتحدي المبالغ فيه بناء على قيم ايديولوجية أكل عليها الدهر وشرب.
5- خلق شبكات اجرامية محمية من قبل عناصر موالية من الشرطة داخليا.
6- برلمان ملغي من الناحية العملية تتجاهله وتفرض عليه تنفيذ أوامر ومراسيم حكومية، بعد أن أقرت قانونا يمنح الرئاسة كل السلطات التشريعية وكأنها حكومة ملكية استبدادية. هذا الإجراء مكنها من تمرير العديد من القوانين الاجتماعية الفاسدة مثل زواج الشواذ من رجال ونساء بعضهم ببعض، وغيرها من الاجراءات الاستفزازية على الصعيد الاجتماعي والسياسي.
7- تفاقم ظاهرة الرشاوى في كل مشاريع المرافق العامة. تلك الرشاوى والاختراقات يتزعمها بالدرجة الأولى رجل الحكومة المقرب للعائلة الحاكمة، وهو وزير التخطيط "دي بيدو" (قهرمان الرئاسة) والذي تدور شائعات حاليا حول إمكانية استقالته واقصائه، ولكن لتولي حكومة "سانتا كروس" مستقبلا إذا قدر للعائلة الاستمرار. هذا الوزير كان سببا في خلافات قطاع الصناعة وخاصة شركة "تيتشينت" النفطية (التي صادر رئيس فنزويلا بعض ممتلاكاتها) وفي الخلاف مع الريف في وقت تضمحل فيه الملاءة في المصرف وتضمحل معها قوة الرئيسة بشكل موازي ومباشر واضطرادي.
8- حولت عمداء البلديات إلى ما يشبه عصابات المافيا، وحكام المحافظات إلى خصوم دائمين تبتزهم ماليا، وخاصة "قرطبة" و"سانتا في" والولايات ذات الحاجة للدعم المالي والتي لها نزاع بالخصوص مع الحكومة ("كاتاماركا"، "سان لويس" "سانتياغو دل استيرو" و"سالتا") التي عانت في شهر اكتوبر الماضي من عجز خطير في نمو صادراتها بالمقارنة بالسنوات السابقة. حكومات المحافظات الأرجنتينية طالما توسلت للعائلة الحاكمة من أجل الحصول على مزايا ونفقات مالية، بعد أن حرمتهم من المشاركة في الأرباح من الدخل الوطني.
9- تجاهلت حدة التضخم المتزايد يوميا دونما التركيز على الحلول بل على المصلحة الشخصية والمآرب الانتخابية الصرفة (انظر المقالة بعنوان "النموذج الإقتصادي ووزارة الظل").
10- حولت العديد من الصحفيين إلى مأجورين وخاضعين، بينما آخرين مستقلين عنها أصبحوا مطاردين وملاحقين، وتحاول اليوم تمرير قانون للحد من حرية التعبير.
11- لم تفصح بعد عن مكان أو مصير ملايين الدولارات (500 الف مليون تقريبا) المودعة في مصارف سويسرية والخاصة بولاية "سانتا كروس" التي كان يحكمها زوجها.
13- ملاحقة القضاة غير المنصاعين لها أوالمتمشين مع ميولاتها الاستخفافية وحاولات مستمرة لتركيع المحكمة العليا بترهيب وتخويف عناصرها (انظر المقالة في صحيفة "لاناسيون" بتاريخ 15 ديسمبر 2009 للإحاطة بجز بسيط من تلك الممارسات). أهمل القضاء والعدل اللذين يفتقران لميزانية تسييرية، بينما المجرمون لهم عقوبات خفيفة ويخرجون بأدنى الحجج القانونية بسبب قاض وضعته الحكومة من المقربين لها شخصيا، ناهيك عن تدخل الجالية اليهودية بكل قوتها في اختيار هؤلاء القضاة، متحججين بقضايا التفجير التي استهدفتهم في 1992 و 1994 وبتنامي النزعة العنصرية ضدهم (تدخلوا بقوة بنهاية 2008 لاجبار الحكومة على إقالة رئيسة المؤسسة الوطنية الأرجنتينية لمكافحة التمييز والعنصرية أو الـ "اينادي").
14- عدد الفقراء في ازدياد، وعدد الأحياء الفقيرة في اضطراد وآلاف الأطفال في الأرجنتين بدون مأكل ولا مشرب ولا تعليم ولا صحة. الجامعات الحكومية موبوءة بحركات طلابية غير مسؤولة تعرقل سير العملية التعليمية كلما تعلق الأمر باختيار عميد جديد أو رئيس للجامعات لا يروق للعائلة الحاكمة، لخدمة أغراضها في تشويه هذا المضمار، علما بأن الأرجنتين تعد أرضا لأفضل وأقدم الجامعات في أمريكا اللاتينية بلا منازع.
15- تعاطي المخدرات على نطاق واسع كي ينعدم التفكير والإحساس وتغيب المسؤولية.
16- ازدياد نسبة السرقات التي يقوم بها اصحاب الدراجات النارية والعادية.
17- إزدياد نسبة الفساد والسرقة في أوساط النواب البرلمانيين والوزراء المقربين.
18- الأنهار التي تعبر المدينة لم تنظف بعد ولازالت موبوءة وملوثة، بما في ذلك "نهر أوروغواي"، وأنهار أخرى داخلية لوثتها مصانع الورق الأرجنتينية قبل أن تظهر مشكلة مصانع الورق مع الأوروغواي، ولم يقل أحد عنها شيئا.
19- إعطاء الحرية والسماح لزعماء حركات العمال (البيكيتيروس) المؤيدة للسلطة بالصول والجول مفسدين دون أن تتحرك للحكومة ساكنة ولا لشرطتها المركزية راكزة.
20- تولي حركيين سابقين ومقاتلين يساريين مناصب حكومية، أحدهم "وزير الظل" (مورينو) الذي تحدثنا عنه في المقالة السابقة "النموذج الإقتصادي ووزارة الظل".
21- تزايد حجم المافيات المسيطرة على محطات وقوف السيارات، ومافيات الأطفال المتسولين، والذعارة.
22- تنامي جرائم ملاعب الكرة بسبب عصابات محمية من النوادي الرئيسة الكبرى.
23- لم يتم حتى الآن استبدال أو إصلاح رادارات مطار العاصمة التي لم تتغير منذ عهد الحكومة العسكرية رغم المشاكل التي تسبب فيها ذلك مرارا وتكرارا، ناهيك عن خوصصة الخطوط الأرجنتينية بشكل مريب واستلابها من أيدي اسبانية بأساليب غير شرعية ونهب أموال الضمان الاجتماعي الذي يتضمن أيداعات الشيوخ والعجزة لسنوات طويلة وتسخيرها لمصلحة نفوذها وحملاتها الانتخابية واستفتاءاتها وسياستها الديماغوجية.
24- تضع العراقيل وشروط الكارهين أمام قطاع الصادرات الزراعية بالذات إمعانا في محاربة الريف وتاخير عجلة النمو، حيث أسست لأجل ذلك هيئة "لمراقبة الصادرات" (أونكا) ووضعت على رأسها مرة اخرى "وزير الظل" كي يحدد من يستحق ومن لا يستحق وفق منظور ايديولوجي وحسب الولاء السياسي للحكومة. هذا كان سببا أصلا في إغلاق بعض الأسواق الدولية مثل روسيا وغيرها (خاصة فيما يتعلق بصادرات اللحوم) ممن اتجهوا إلى أيجاد البديل في أسواق البرازيل والأوروغواي أو الولايات المتحدة الأمريكية. وعموما انخفض مستوى النمو الصناعي بنسبة 0,9% بالمقارنة بشهر اكتوبر 2008، بينما انخفضت الصناعات التحويلية بنسبة 4,3%. من ناحية أخرى انحسرت المساحة المزروعة لمحصول الذرة بنسبة 10%، ومحصول القمح بنسبة 20%، ناهيك عن أن الاعتماد على صادرات السيارات كان سببا في الركود الداخلي لتـأثره بأزمة الانكماش الاقتصادي التي شهدها العالم.
25- لم تفكر بعد في استغلال أو استثمار آبار النفط الأرجنتينية.
26- لم تعالج مشكلة القطارات التي لازالت قديمة ورديئة وغالية بالنسبة للمواطن العادي. هذه الشركات شبه الخاصة وغيرها لا تستثمر بينما تقدم فواتير عن خدمات درجة أولى "وهمية".
27- الناس مثقلة بالضرائب المتزايدة التراكمية.
كل تلك المساوي والأخطاء المتوالية تذكر بلعنة فرعون وأيات الله التي أرسلت ضد قومه، والتي فيما يبدو أنها احتضنتها إثر زيارتها لمصر الفراعنة (أغسطس 2008 تقريبا) كفيروس انفلونزي لا يبقي ولا يدر، ولن يحل حتى تحل الحكومة عن هذا الشعب. هذه هي في النهاية السنوات العجاف التي لم تتمكن العائلة الحاكمة أو لم ترغب في تفادي ويلاتها على الصعيد الداخلي، مصرين على محاربة قطاع الريف الذي لم يتمكن من تصدير محصول الصويا الذي بقي في مخازنه عندما كان سعره العالمي 600 دولار في السنوات الأخيرة وانخفض بنهاية 2008 إلى 297 عن الطن الواحد، مسببا خسارة تصل إلى 3.5 مليار دولار تقريبا حرمت منها الأرجنتين.
ما يزيد "الطين بلة" رغم الجفاف، إضمحلال حجم الاحتياطي في البنك المركزي نتيجة الإفراط في النفقات العامة (من فائض قدره 3.178 مليون "بيسو" في فبراير 2008 إلى 1.602,9 "بيسو" في فبراير 2009)، ناهيك عن استعداد المصرف نفسه للتخلي عن جزء هام من احتياطيه لسداد ديون خارجية عن العام 2010. الثنائي الحاكم لم يفعل شيئا لتفادي ويلات الأزمة الاقتصادية العالمية وتأثيرها على الاقتصاد المحلي. الحكومة تصرح بأنها تتبع خطوات "كينز" الاقتصادية، بينما هي في الواقع تطبق وصفات مخالفة له تماما، فهذا الأخير لم يعمل ضد الرأسمالية بل لصالحها ومن أجل انقاذها. في المقالة السابقة عن "النموذج الاقتصادي" الأرجنتيني، ألمحنا إلى إصرار الثنائي الحاكم هذا على تطبيق سياسات وتدابير اقتصادية كان في اعتقادهم أنها "كينزية" بينما هي من عند أنفسهم. فالسيد "كينز" كما يقول العديد من المحللين إنما كان ينصح حكومته (مستلهما الفكرة من قصة سيدنا يوسف المشهورة) بأن تؤجل الإنفاق وأن تنكب على تكديس الاحتياطي إلى أن يحين الموعد وتتوفر الشروط الملائمة، ليبدأ حينها، وحينها فقط ، في زيادة النفقات والصرف من أجل المحافظة على مستوى الطلب.
ما فعلته هذه الحكومة هو عكس ذلك. زادت النفقات العامة مسبقا لكسب تأييد مختلف قطاعات الشعب ما أمكنها ذلك باعتبارها حكومة ديماغوجية، معتمدة في ذلك على ما تجنيه من عمليات خوصصة مبيعات الخطوط الجوية والضمان الاجتماعي، وخاصة وأن التحصيل الضريبي منخفض، أو من احتياطي المصرف المركزي (في ظل إنهيار الأسعار الدولية وتخفيض جيران الأرجنتين لعملتهم كما هو حال البرازيل على سبيل المثال لا الحصر).
الأرجنتين لا تستطيع اليوم تطبيق سياسة كينزية لمواجهة الأزمة لأنها لا تملك – مثلما تملك أمريكا مثلا- سيولة تفوق دخلها من الانتاج القومي. لقد أهدرت فيما سبق أموالها في النفقات فوق قدراتها واليوم تدفع الثمن بالتضخم وبالركود. ولا يجب أن ننسى أن الأرجنتين لاتزال محرومة من القروض الدولية بسبب المخاطر من جهة وبسبب غياب الضمانات الشرعية لرؤوس الأموال الأجنبية والخاصة. الأرجنتين في أمس الحاجة لأموال جديدة، وقد لا تتورع عن استقطاب أموال تجارة المخدرات لتسوية الأمور الداخلية إن لم تجد حلا آخر.
من بين الخصوم الذين يتنازعون الرئاسة القادمة نذكر: "خوليو كوبوس" (نائب الرئيسة الحالي المنشق الذي عاهد الشعب أنه لن يترك منصبه مهما حاولت عائلة كرتشنر، قائلا انهم "لن يخرجوه من قصر الحكومة إلا ميتا، وأن عليهم مواجهته كمرشح للرئاسة في 2011")، و "ماوريسيو ماكري" البيروني اليمين الذي يحكم مدينة بوينوس آيريس حاليا، ولاشتراكي "هرمز بينر" (حاكم ولاية "سانتا في") و المذكور أعلاه البيروني "فيليب سولا"، و اليميني الذي تغلب عل "كرتشنر على مستوى محافظة بوينوس آيريس في انتخابات 28 يونيو التشريعية الماضية، "فرانسيسكو دي ناربايز" (مليونير من أصول كولومبية، بيروني انشق عن حركة "كرتشنر" وتحالف مع اليمين سعيا للفوز بحكومة ولاية بوينوس آيريس)، و "رويتمان" حاكم ولاية "سانتا في" السابق، ولما لا "دوهالدي" نفسه (الرئيس السابق الذي سلم الحكم لكرتشنر) والذي لا يخفي رغبته في العودة لقيادة المعارضة لحماية الأرجنتين من خطر المشروع "اللاوطني" كما أشرنا في المقالة السابقة بعنوان "حاميها وليس حراميها"، إحساسا منه ربما بأنه بذلك "يكفر عن سيئاته" ويصلح الخطأ الذي جعله يختار "كرتشنر" لخلافته سنة 2003 (أنظر المواضيع السابقة).
لم يتبق لهذه الحكومة إلا الاعتراض من خلال ممارسة حق النقض على القرارات مستقبلا. ولكن هذا التصرف قد يعرضها لسخط شعبي كبير وطناجر شعبية على غرار تلك التي شهدتها الأرجنتين في 2001.
شرعية الحكومة الأرجنتينية الحالية تحت المحك. الفراغ السياسي يرعبها، ونتيجة الانتخابات التشريعية الأخيرة (28 يونيو2009) تبدد أحلامها في الاستمرار في الحكم ومداولته فيما بينها وزوجها وربما إبنهما "ماكسيمو" على المدى الأبعد. في الواقع هيمنهتم على الحكم بدأت في العد التنازلي منذ أن رفض مجلس الشيوخ الموافقة على القرار 125 ضد الريف وترجيح نائب الرئيس الحالي (كوبوس) لكفة التصويت ضد الحكومة (انظر المقالة السابقة بعنوان "حصان طروادة").
بالنسبة للحكومة لا مفر اليوم من التحرك بسرعة والتفكير في مخرج من هذه الوضعية التي تهدد استمراريتها وبالتالي إنجاز مشروعها "اللا-وطني" الذي جاءت هي وزوجها من أجله، أو الذي جيئ بهما من أجله. "المشروع الفوقي" يفرض عليهما نتائج ايجابية والوقت لا يرحم. آخر معركة لها تخوضها اليوم ضد الإعلام، أكثر الهيئات حساسية في أي نظام ديمقراطي، وإسراعها بإصدار قانون الحد من الحرية الإعلامية قبل أن يستلم البرلمان الفائز في الانتخابات الأخيرة مهامه (في 10 ديسمبر 2009) ما هو إلا دليل على الهلع واليأس الذي تعاني منه حاليا، وهجوم زوجها الأخير على مبنى صحيفة "كلارين" يذكرنا بحملات "هوغو تشافيز" على مقار الإذاعات المسموعة والمرئية الخاصة والمستقلة. الحكومة الأرجنتينية أخذت تبتعد عن الديمقراطية وتقترب من التسلطية والدكتاتورية. نراها في الواقع حكومة تطوع القانون لصالحها وهي تتبع خطوات حكومات "يسارية" أخرى في القارة الجنوبية تملي عليها توجهات هي أقرب للشيوعة الستالينية منها للإشتراكية التي تزعم أنها تتطلع إليها بجدية. الديماغوجية هي منهجها والشعبوية، في طريقها لتدمير الحريات الشخصية والصحفية، آخر معاقل الأصوات الحرة والوطنية بعد الحرب التي قادتها ضد الجيش والكنيسة والريف (أنظر المواضيع السابقة). هذه الحكومة تصورت أن الشعب نائم وغافل عن هذه المسرحية. في الأثناء كان مغمضا عينا واحدة وبالثانية يحسب لها الهفوات والزلات التي نسردها تباعا على النحو التالي:
1- "زيارة الدول الأجنبية للحصول على دعم مالي والترويج لمشروعها القاضي بالسماح لأي أموال مهما كان مصدرها بدخول الأرجنتين دون مساءلة أو عراقيل، بما فيها أموال المافيات الصينية والروسية، بكل ما يعني ذلك من دخول أموال قذرة وأموال "للغسل والنشير"، وهو بدروه سيعني مشاكل مع المؤسسات المجتمع االدولي المناهضة لهكذا إجراء، وقد أبرمت مع روسيا اتفاقا رئاسيا في أخر جولة لها بنهاية العام الماضي (2008).
2- أججت الخلاف الحدودي مع الأوروغواي (بسبب مصنع الورق، الذي عارضته بشدة، ولم تفتر المعارضة إلا حينما احتاج زوج الرئيسة لصوت الأوروغواي لصالح ترشحه لرئاسة تحالف أمم الجنوب، أو "اوناسور)، بينما تحسد البرازيل التي بدأت تنهض بقوة صناعية (انظر موضوع "عقدة الأرجنتين ...البرازيل). فبالإضافة إلى الصين والهند اليوم يجب أن نضيف روسيا والبرازيل في نظام القوى الجديد.
3- التمييز في المحاكمات بخصوص حقوق انسانية لصالح "الحركيين السابقين" ضد عناصر الحكومات العسكرية السابقة، أنطلاقا من أحقاد السبعينيات المذكورة في مواضيع سابقة.
4- تعميق الخلاف مع الولايات المتحدة الأمريكية والتحدي المبالغ فيه بناء على قيم ايديولوجية أكل عليها الدهر وشرب.
5- خلق شبكات اجرامية محمية من قبل عناصر موالية من الشرطة داخليا.
6- برلمان ملغي من الناحية العملية تتجاهله وتفرض عليه تنفيذ أوامر ومراسيم حكومية، بعد أن أقرت قانونا يمنح الرئاسة كل السلطات التشريعية وكأنها حكومة ملكية استبدادية. هذا الإجراء مكنها من تمرير العديد من القوانين الاجتماعية الفاسدة مثل زواج الشواذ من رجال ونساء بعضهم ببعض، وغيرها من الاجراءات الاستفزازية على الصعيد الاجتماعي والسياسي.
7- تفاقم ظاهرة الرشاوى في كل مشاريع المرافق العامة. تلك الرشاوى والاختراقات يتزعمها بالدرجة الأولى رجل الحكومة المقرب للعائلة الحاكمة، وهو وزير التخطيط "دي بيدو" (قهرمان الرئاسة) والذي تدور شائعات حاليا حول إمكانية استقالته واقصائه، ولكن لتولي حكومة "سانتا كروس" مستقبلا إذا قدر للعائلة الاستمرار. هذا الوزير كان سببا في خلافات قطاع الصناعة وخاصة شركة "تيتشينت" النفطية (التي صادر رئيس فنزويلا بعض ممتلاكاتها) وفي الخلاف مع الريف في وقت تضمحل فيه الملاءة في المصرف وتضمحل معها قوة الرئيسة بشكل موازي ومباشر واضطرادي.
8- حولت عمداء البلديات إلى ما يشبه عصابات المافيا، وحكام المحافظات إلى خصوم دائمين تبتزهم ماليا، وخاصة "قرطبة" و"سانتا في" والولايات ذات الحاجة للدعم المالي والتي لها نزاع بالخصوص مع الحكومة ("كاتاماركا"، "سان لويس" "سانتياغو دل استيرو" و"سالتا") التي عانت في شهر اكتوبر الماضي من عجز خطير في نمو صادراتها بالمقارنة بالسنوات السابقة. حكومات المحافظات الأرجنتينية طالما توسلت للعائلة الحاكمة من أجل الحصول على مزايا ونفقات مالية، بعد أن حرمتهم من المشاركة في الأرباح من الدخل الوطني.
9- تجاهلت حدة التضخم المتزايد يوميا دونما التركيز على الحلول بل على المصلحة الشخصية والمآرب الانتخابية الصرفة (انظر المقالة بعنوان "النموذج الإقتصادي ووزارة الظل").
10- حولت العديد من الصحفيين إلى مأجورين وخاضعين، بينما آخرين مستقلين عنها أصبحوا مطاردين وملاحقين، وتحاول اليوم تمرير قانون للحد من حرية التعبير.
11- لم تفصح بعد عن مكان أو مصير ملايين الدولارات (500 الف مليون تقريبا) المودعة في مصارف سويسرية والخاصة بولاية "سانتا كروس" التي كان يحكمها زوجها.
13- ملاحقة القضاة غير المنصاعين لها أوالمتمشين مع ميولاتها الاستخفافية وحاولات مستمرة لتركيع المحكمة العليا بترهيب وتخويف عناصرها (انظر المقالة في صحيفة "لاناسيون" بتاريخ 15 ديسمبر 2009 للإحاطة بجز بسيط من تلك الممارسات). أهمل القضاء والعدل اللذين يفتقران لميزانية تسييرية، بينما المجرمون لهم عقوبات خفيفة ويخرجون بأدنى الحجج القانونية بسبب قاض وضعته الحكومة من المقربين لها شخصيا، ناهيك عن تدخل الجالية اليهودية بكل قوتها في اختيار هؤلاء القضاة، متحججين بقضايا التفجير التي استهدفتهم في 1992 و 1994 وبتنامي النزعة العنصرية ضدهم (تدخلوا بقوة بنهاية 2008 لاجبار الحكومة على إقالة رئيسة المؤسسة الوطنية الأرجنتينية لمكافحة التمييز والعنصرية أو الـ "اينادي").
14- عدد الفقراء في ازدياد، وعدد الأحياء الفقيرة في اضطراد وآلاف الأطفال في الأرجنتين بدون مأكل ولا مشرب ولا تعليم ولا صحة. الجامعات الحكومية موبوءة بحركات طلابية غير مسؤولة تعرقل سير العملية التعليمية كلما تعلق الأمر باختيار عميد جديد أو رئيس للجامعات لا يروق للعائلة الحاكمة، لخدمة أغراضها في تشويه هذا المضمار، علما بأن الأرجنتين تعد أرضا لأفضل وأقدم الجامعات في أمريكا اللاتينية بلا منازع.
15- تعاطي المخدرات على نطاق واسع كي ينعدم التفكير والإحساس وتغيب المسؤولية.
16- ازدياد نسبة السرقات التي يقوم بها اصحاب الدراجات النارية والعادية.
17- إزدياد نسبة الفساد والسرقة في أوساط النواب البرلمانيين والوزراء المقربين.
18- الأنهار التي تعبر المدينة لم تنظف بعد ولازالت موبوءة وملوثة، بما في ذلك "نهر أوروغواي"، وأنهار أخرى داخلية لوثتها مصانع الورق الأرجنتينية قبل أن تظهر مشكلة مصانع الورق مع الأوروغواي، ولم يقل أحد عنها شيئا.
19- إعطاء الحرية والسماح لزعماء حركات العمال (البيكيتيروس) المؤيدة للسلطة بالصول والجول مفسدين دون أن تتحرك للحكومة ساكنة ولا لشرطتها المركزية راكزة.
20- تولي حركيين سابقين ومقاتلين يساريين مناصب حكومية، أحدهم "وزير الظل" (مورينو) الذي تحدثنا عنه في المقالة السابقة "النموذج الإقتصادي ووزارة الظل".
21- تزايد حجم المافيات المسيطرة على محطات وقوف السيارات، ومافيات الأطفال المتسولين، والذعارة.
22- تنامي جرائم ملاعب الكرة بسبب عصابات محمية من النوادي الرئيسة الكبرى.
23- لم يتم حتى الآن استبدال أو إصلاح رادارات مطار العاصمة التي لم تتغير منذ عهد الحكومة العسكرية رغم المشاكل التي تسبب فيها ذلك مرارا وتكرارا، ناهيك عن خوصصة الخطوط الأرجنتينية بشكل مريب واستلابها من أيدي اسبانية بأساليب غير شرعية ونهب أموال الضمان الاجتماعي الذي يتضمن أيداعات الشيوخ والعجزة لسنوات طويلة وتسخيرها لمصلحة نفوذها وحملاتها الانتخابية واستفتاءاتها وسياستها الديماغوجية.
24- تضع العراقيل وشروط الكارهين أمام قطاع الصادرات الزراعية بالذات إمعانا في محاربة الريف وتاخير عجلة النمو، حيث أسست لأجل ذلك هيئة "لمراقبة الصادرات" (أونكا) ووضعت على رأسها مرة اخرى "وزير الظل" كي يحدد من يستحق ومن لا يستحق وفق منظور ايديولوجي وحسب الولاء السياسي للحكومة. هذا كان سببا أصلا في إغلاق بعض الأسواق الدولية مثل روسيا وغيرها (خاصة فيما يتعلق بصادرات اللحوم) ممن اتجهوا إلى أيجاد البديل في أسواق البرازيل والأوروغواي أو الولايات المتحدة الأمريكية. وعموما انخفض مستوى النمو الصناعي بنسبة 0,9% بالمقارنة بشهر اكتوبر 2008، بينما انخفضت الصناعات التحويلية بنسبة 4,3%. من ناحية أخرى انحسرت المساحة المزروعة لمحصول الذرة بنسبة 10%، ومحصول القمح بنسبة 20%، ناهيك عن أن الاعتماد على صادرات السيارات كان سببا في الركود الداخلي لتـأثره بأزمة الانكماش الاقتصادي التي شهدها العالم.
25- لم تفكر بعد في استغلال أو استثمار آبار النفط الأرجنتينية.
26- لم تعالج مشكلة القطارات التي لازالت قديمة ورديئة وغالية بالنسبة للمواطن العادي. هذه الشركات شبه الخاصة وغيرها لا تستثمر بينما تقدم فواتير عن خدمات درجة أولى "وهمية".
27- الناس مثقلة بالضرائب المتزايدة التراكمية.
كل تلك المساوي والأخطاء المتوالية تذكر بلعنة فرعون وأيات الله التي أرسلت ضد قومه، والتي فيما يبدو أنها احتضنتها إثر زيارتها لمصر الفراعنة (أغسطس 2008 تقريبا) كفيروس انفلونزي لا يبقي ولا يدر، ولن يحل حتى تحل الحكومة عن هذا الشعب. هذه هي في النهاية السنوات العجاف التي لم تتمكن العائلة الحاكمة أو لم ترغب في تفادي ويلاتها على الصعيد الداخلي، مصرين على محاربة قطاع الريف الذي لم يتمكن من تصدير محصول الصويا الذي بقي في مخازنه عندما كان سعره العالمي 600 دولار في السنوات الأخيرة وانخفض بنهاية 2008 إلى 297 عن الطن الواحد، مسببا خسارة تصل إلى 3.5 مليار دولار تقريبا حرمت منها الأرجنتين.
ما يزيد "الطين بلة" رغم الجفاف، إضمحلال حجم الاحتياطي في البنك المركزي نتيجة الإفراط في النفقات العامة (من فائض قدره 3.178 مليون "بيسو" في فبراير 2008 إلى 1.602,9 "بيسو" في فبراير 2009)، ناهيك عن استعداد المصرف نفسه للتخلي عن جزء هام من احتياطيه لسداد ديون خارجية عن العام 2010. الثنائي الحاكم لم يفعل شيئا لتفادي ويلات الأزمة الاقتصادية العالمية وتأثيرها على الاقتصاد المحلي. الحكومة تصرح بأنها تتبع خطوات "كينز" الاقتصادية، بينما هي في الواقع تطبق وصفات مخالفة له تماما، فهذا الأخير لم يعمل ضد الرأسمالية بل لصالحها ومن أجل انقاذها. في المقالة السابقة عن "النموذج الاقتصادي" الأرجنتيني، ألمحنا إلى إصرار الثنائي الحاكم هذا على تطبيق سياسات وتدابير اقتصادية كان في اعتقادهم أنها "كينزية" بينما هي من عند أنفسهم. فالسيد "كينز" كما يقول العديد من المحللين إنما كان ينصح حكومته (مستلهما الفكرة من قصة سيدنا يوسف المشهورة) بأن تؤجل الإنفاق وأن تنكب على تكديس الاحتياطي إلى أن يحين الموعد وتتوفر الشروط الملائمة، ليبدأ حينها، وحينها فقط ، في زيادة النفقات والصرف من أجل المحافظة على مستوى الطلب.
ما فعلته هذه الحكومة هو عكس ذلك. زادت النفقات العامة مسبقا لكسب تأييد مختلف قطاعات الشعب ما أمكنها ذلك باعتبارها حكومة ديماغوجية، معتمدة في ذلك على ما تجنيه من عمليات خوصصة مبيعات الخطوط الجوية والضمان الاجتماعي، وخاصة وأن التحصيل الضريبي منخفض، أو من احتياطي المصرف المركزي (في ظل إنهيار الأسعار الدولية وتخفيض جيران الأرجنتين لعملتهم كما هو حال البرازيل على سبيل المثال لا الحصر).
الأرجنتين لا تستطيع اليوم تطبيق سياسة كينزية لمواجهة الأزمة لأنها لا تملك – مثلما تملك أمريكا مثلا- سيولة تفوق دخلها من الانتاج القومي. لقد أهدرت فيما سبق أموالها في النفقات فوق قدراتها واليوم تدفع الثمن بالتضخم وبالركود. ولا يجب أن ننسى أن الأرجنتين لاتزال محرومة من القروض الدولية بسبب المخاطر من جهة وبسبب غياب الضمانات الشرعية لرؤوس الأموال الأجنبية والخاصة. الأرجنتين في أمس الحاجة لأموال جديدة، وقد لا تتورع عن استقطاب أموال تجارة المخدرات لتسوية الأمور الداخلية إن لم تجد حلا آخر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق